ابن عجيبة
507
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يقول الحق جل جلاله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى : لا تقوموا إليها وأنتم سكارى من خمر ، أو غلبة نوم ، أو شدة غفلة ، حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ في صلاتكم ، وتتدبروا ما تقرءون فيها ، فالصلاة من غير حضور خاوية ، وعند الخصوص باطلة ، روى أن عبد الرحمن بن عوف صنع مأدبة ، ودعا إليها نفرا من الصحابة ، حين كانت الخمر مباحة ، فأكلوا وشربوا حتى ثملوا ، وجاء وقت صلاة المغرب ، فتقدم أحدهم ليصلى بهم ، فقرأ : أعبد ما تعبدون - من غير نفى - فنزلت الآية قبل تحريم الخمر ، ثم حرمت بآية المائدة . ولا تقربوها حالة جنابتكم في أي حال كان ، إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ أي : في وقت سفركم ، حيث لم تجدوا ماء ، بدليل ما يأتي ، فيتيمم ويقرب الصلاة وهو جنب ، وفيه دليل أن التيمم لا يرفع الحدث ، قيل المراد بالصلاة مواضعها ، وهي المساجد فلا يدخلها الجنب إلا مارا ، وبه قال الشافعي - رضى اللّه عنه - وقال أبو حنيفة : لا يجوز المرور ، إلّا إذا كان فيه الماء والطريق . وقال مالك : لا يدخل إلا بالتيمم ولا يمر به أصلا . فلا تقربوا الصلاة وأنتم جنب حَتَّى تَغْتَسِلُوا . وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى تخافون ضرر الماء ، أو زيادته ، أو تأخر برء ، أو منع الوصول إلى الماء ، أَوْ عَلى سَفَرٍ لم تجدوه فيه ، أَوْ كنتم في الحضر محدثين حيث جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ ، أو البول ، أو بغيره من الأحداث ، أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ أي : مست بشرتكم بشرتهن ، بقصد اللذة أو عند وجدانها ، وبه قال مالك . وقال الشافعي : ينقض مطلقا ، قصد أم لا ، وجد أم لا ، ولو بميتة ، وقال أبو حنيفة : إن كانت ملامسة فاحشة بحيث يحصل الانتشار نقضت ، وإلا فلا . وقال ابن عباس والحسن البصري ومحمد بن الحسن : لا تنقض الملامسة مطلقا ، ويقاس على اللمس سائر نواقض الأسباب ، فتحصّل أن « أو » تبقى على أصلها من التقسيم ، فتكون الآية نصا في تيمم الحاضر الصحيح ، وبه قال مالك ، ولا يعيد . وقال الشافعي : يصلى بالتيمم ويعيد ، وقال أبو حنيفة : لا يصلى حتى يجد الماء ، ومن قال : « أو » بمعنى الواو فخروج عن الأصل بلا داع . ثم قيّد التيمم في هذه الأحوال بفقد الماء ، فقال : فَلَمْ تَجِدُوا ماءً كافيا ، أو لم تقدروا على استعماله ، فَتَيَمَّمُوا أي : اقصدوا صَعِيداً طَيِّباً أي : طاهرا ، وهو ما صعد على وجه الأرض من جنسها ؛ كتراب ، وهو الأفضل ، وثلج وخضخاض « 1 » وحجر ومدر ، لا شجر وحشيش ومعدن ذهب وفضة ، وما التحق بالعقاقير ، كشب ، وملح ، وكبريت ، وغاسول « 2 » وشبهه ، فلا يجوز . وقال أبو حنيفة : بكل شئ من الأرض وما اتصل بها كشجر
--> ( 1 ) الخضخاض درب من القطران أسود رقيق تطلى به الإبل الجربى . ( 2 ) الغاسول : عشب ينبت في الصحراء .